ابن عجيبة
343
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : لا ينبغي للمريد الصادق أن يخالط أهل الغفلة ، ولا يتودد معهم ؛ فإن ذلك يقطعه عن ربه ، ويصده عن دواء قلبه ، وفي ذلك يقول صاحب العينية : وقاطع لمن واصلت أيّام غفلة * فما واصل العذال إلّا مقاطع وجانب جناب الأجنبي لو أنّه * لقرب انتساب في المنام مضاجع فللنّفس من جلّاسها كلّ نسبة * ومن خلّة للقلب تلك الطّبائع إلا أن يتقى منهم تقية ، بحيث تلجئه الضرورة إلى مخالطتهم ، فيخالطهم بجسمه ويفارقهم بقلبه ، وقد حذّر الصوفية من صحبة أربع طوائف : الجبابرة المتكبرون ، والقراء المداهنون ، والمتفقرة الجاهلون ، والعلماء المتجمدون ؛ لأنهم مولعون بالطعن على أولياء اللّه ، يرون ذلك قربة تقربهم إلى اللّه . ثم قال : ( ويحذركم اللّه نفسه ) أن تقصدوا معه غيره ، وهذا خطاب للسائرين بدليل تعقيبه بقوله : ( وإلى اللّه المصير ) أي : إليه ينتهى السير وإليه يكون الوصول ، ثم شدد عليهم في المراقبة فقال : ( إن تخفوا ما في صدوركم ) من الميل أو الركون إلى الغير أو الوقوف عن السير ، ( أو تبدوه يعلمه اللّه ) ؛ فينقص عنكم المدد بقدر ذلك الميل ، يظهر ذلك يوم الدخول إلى بلاد المشاهدة ، ( يوم تجد كل نفس ) ما قدمت من المجاهدة ، فبقدر المجاهدة تكون المشاهدة . ثم خاطب الواصلين فقال : ( ويحذركم اللّه نفسه ) من أن تشهدوا معه سواه ، فلو كلف الواصل أن يشهد غيره لم يستطع ، إذ لا غير معه حتى يشهده . ويدل على أن الخطاب هنا للواصلين تعقيبه بالمودة والرأفة ، اللائقة بالواصلين المحبوبين العارفين الكاملين . خرطنا اللّه في سلكهم بمنّه وكرمه . ثم لا طريق للوصول إلى هذا كله إلا باتباع الرسول الأعظم ، كما أشار إلى ذلك بقوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 31 إلى 32 ] قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 31 ) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ ( 32 ) قلت : قد تقدم الكلام على حقيقة المحبة عند قوله يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ . وقال البيضاوي هنا : المحبة ميل النفس إلى الشيء لإدراك كمال فيه ، بحيث يحملها - أي الميل - إلى ما يقربها إليه ، والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله ، وأن ما يراه كمالا من نفسه أو غيره فهو من اللّه وباللّه وإلى اللّه ، لم يكن حبه إلا لله وفي اللّه ، وذلك يقتضى إرادة طاعته ، فلذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة ، وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول في عبادته ، والحرص على مطاوعته . ه .